ألم تلاحظ أنك كلما اقتربت خطوة في مسار العبودية، واستقمت على شيء من أعمال الخير، وجدت أنك بعدها مباشرة تتعرض لموقف صعب، أو ينزل بك شيء يشغلك حتى إنك بالكاد تؤدي ما عليك من الصلوات، بل وربما أديتها على أسوأ حال من شتات النفس، والانشغال؟
ألم يستوقفك هذا الأمر قط؟
أحدهم قال لي يوماً:
"أنا حاسس إن ربنا مش عاوزني!! كل ما ابدأ أغير من نفسي، واحافظ على الصلاة، واعمل حاجات كويسة... ألاقي الدنيا اتكركبت على دماغي... ساعات بحس إن الدنيا مش بتمشي معايا مظبوط إلا لما بعمل الحاجات الغلط!!"
لم أتعجب من قوله... بل أكاد أزعم أننا جميعاً قد وجدنا مثل هذا من قبل... وأن ذاك الهاجس قد طاف بأذهاننا ولو مرة في العمر...
وبالطبع هناك الكثير من التفسيرات لهذه الظاهرة...
ولكن هناك بعد لا نكاد نفكر فيه بالمرة...
وهو أن الإنسان عندما يقبل على الطاعة، تلقائياً يتولد بداخله شعور خفي بالرضا عن الذات... خاصة عندما يتواجد في وسط محيط ليس فيه إقبال على أبواب العبودية... فالنفس تلقائياً تعقد مقارنة خفية مع من حولها، وتخرج بنتيجة منطقية:
يا للروعة... أنت إنسان من أهل السبق في أبواب الطاعة!!
وبالطبع يخيل هذا الكلام على من لم يتهم نفسه... ولم يعلم عنها أنها أخفى أعدائه!!
إن هذا المدخل الخفي هو أسهل طريقة لوقف تدفق سيل الخير... فالنفس لن تقول لك وأنت في فورة إقبالك: توقف...!!
ولكنها تعرف كيف توقفك بمحض إرادتك... وذلك عندما تقنعك أنك قد أتيت بما يكسبك الرضى عن نفسك...
وعندها فقط ستتوقف عن المزيد... ومتى ما توقفت عن إمداد عمرك بعمل الخير، ستسير القهقرى وأنت لا ترى!!
وستعود من حيث بدأت... وربما تماديت وهويت...
لأجل هذا... من رحمة ربك بك ألا ترى جميل صنعك... ولا تستشعر لحظة رضى عن نفسك... فعقب العمل الصالح تنتقل إلى لحظات تعجز فيها عن لملمة شتات روحك...
فتعلم أنك لازلت عاجزاً... فلا تملك إلا بذل بعض الطاعة ريحاً مستريحاً... وأما عند اشتداد الحال فلا تملك ركوعاً، ولا تسبيحاً!!
فالعاقل عندها ينظر إلى نفسه نظر البصير المتعقل... ويحمل نفسه حملاً على استكمال السير مهما كان المسار وعراً...
ولا يرضى من نفسه حال... ويظل على باب العبودية منكسراً.
قال ابن القيم رحمه الله: "فالعارف لا يرضى بشيءٍ من عمله لربِّه، ولا يرضى نفسه لله تعالى طرفة عينٍ، ويستحيي من مقابلة الله بعمله. فسوء ظنِّه بنفسه وعمله، وبغضه لها، وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله؛ يحول بينه وبين الرِّضا بعمله والرِّضا عن نفسه. وكان بعض السلف يصلِّي في اليوم والليلة أربعمائة ركعةٍ، ثمَّ يقبض على لحيته ويهزُّها ويقول: يا مأوى كلِّ سوءٍ، وهل رضيتُك لله طرفة عينٍ؟!... ومن نظر إلى نفسه باستحسان شيءٍ منها فقد أهلكها، ومن لم يتَّهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور " [1].
فتلك إجابة المسألة...
فلا تكن ساذجاً... ولا تصدق وسوسة نفسك وشيطانك...
فالله تعالى لا يردك عن بابه... بل يفرح بتوبتك وإقبالك...
لكن من رحمته بك... ألا يسلط نفسك عليك!!
فالرضى عن النفس يغرس بذور العجب.. التي لو نمت بين جنبيك، لأهلكتك!!
#استعادة_المحراب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مدارج السالكين: 2/354.
د. محمد فرحات
ألم تلاحظ أنك كلما اقتربت خطوة في مسار العبودية، واستقمت على شيء من أعمال الخير، وجدت أنك بعدها مباشرة تتعرض لموقف صعب، أو ينزل بك شيء يشغلك حتى إنك بالكاد تؤدي ما عليك من الصلوات، بل وربما أديتها على أسوأ حال من شتات النفس، والانشغال؟
ألم يستوقفك هذا الأمر قط؟
أحدهم قال لي يوماً:
"أنا حاسس إن ربنا مش عاوزني!! كل ما ابدأ أغير من نفسي، واحافظ على الصلاة، واعمل حاجات كويسة... ألاقي الدنيا اتكركبت على دماغي... ساعات بحس إن الدنيا مش بتمشي معايا مظبوط إلا لما بعمل الحاجات الغلط!!"
لم أتعجب من قوله... بل أكاد أزعم أننا جميعاً قد وجدنا مثل هذا من قبل... وأن ذاك الهاجس قد طاف بأذهاننا ولو مرة في العمر...
وبالطبع هناك الكثير من التفسيرات لهذه الظاهرة...
ولكن هناك بعد لا نكاد نفكر فيه بالمرة...
وهو أن الإنسان عندما يقبل على الطاعة، تلقائياً يتولد بداخله شعور خفي بالرضا عن الذات... خاصة عندما يتواجد في وسط محيط ليس فيه إقبال على أبواب العبودية... فالنفس تلقائياً تعقد مقارنة خفية مع من حولها، وتخرج بنتيجة منطقية:
يا للروعة... أنت إنسان من أهل السبق في أبواب الطاعة!!
وبالطبع يخيل هذا الكلام على من لم يتهم نفسه... ولم يعلم عنها أنها أخفى أعدائه!!
إن هذا المدخل الخفي هو أسهل طريقة لوقف تدفق سيل الخير... فالنفس لن تقول لك وأنت في فورة إقبالك: توقف...!!
ولكنها تعرف كيف توقفك بمحض إرادتك... وذلك عندما تقنعك أنك قد أتيت بما يكسبك الرضى عن نفسك...
وعندها فقط ستتوقف عن المزيد... ومتى ما توقفت عن إمداد عمرك بعمل الخير، ستسير القهقرى وأنت لا ترى!!
وستعود من حيث بدأت... وربما تماديت وهويت...
لأجل هذا... من رحمة ربك بك ألا ترى جميل صنعك... ولا تستشعر لحظة رضى عن نفسك... فعقب العمل الصالح تنتقل إلى لحظات تعجز فيها عن لملمة شتات روحك...
فتعلم أنك لازلت عاجزاً... فلا تملك إلا بذل بعض الطاعة ريحاً مستريحاً... وأما عند اشتداد الحال فلا تملك ركوعاً، ولا تسبيحاً!!
فالعاقل عندها ينظر إلى نفسه نظر البصير المتعقل... ويحمل نفسه حملاً على استكمال السير مهما كان المسار وعراً...
ولا يرضى من نفسه حال... ويظل على باب العبودية منكسراً.
قال ابن القيم رحمه الله: "فالعارف لا يرضى بشيءٍ من عمله لربِّه، ولا يرضى نفسه لله تعالى طرفة عينٍ، ويستحيي من مقابلة الله بعمله. فسوء ظنِّه بنفسه وعمله، وبغضه لها، وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله؛ يحول بينه وبين الرِّضا بعمله والرِّضا عن نفسه. وكان بعض السلف يصلِّي في اليوم والليلة أربعمائة ركعةٍ، ثمَّ يقبض على لحيته ويهزُّها ويقول: يا مأوى كلِّ سوءٍ، وهل رضيتُك لله طرفة عينٍ؟!... ومن نظر إلى نفسه باستحسان شيءٍ منها فقد أهلكها، ومن لم يتَّهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور " [1].
فتلك إجابة المسألة...
فلا تكن ساذجاً... ولا تصدق وسوسة نفسك وشيطانك...
فالله تعالى لا يردك عن بابه... بل يفرح بتوبتك وإقبالك...
لكن من رحمته بك... ألا يسلط نفسك عليك!!
فالرضى عن النفس يغرس بذور العجب.. التي لو نمت بين جنبيك، لأهلكتك!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مدارج السالكين: 2/354.
د. محمد فرحات
Comment
Share
Send as a message
Share on my page
Share in the group